محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
253
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
ولو كان هذا عُسراً في العُرف العربي ، لكان الجهادُ عُسْراً ، والصلاة عُسْراً ، والورعُ الشَّحيح عُسْرَيْنِ اثنين ، وعبادة اللهِ كأنَّك تراه ، والصلاةُ كأنَّها صلاة مُوَدِّعٍ أعْسَرَ وأعْسَر ، ولكانت الشريعةُ أو كثير منها تشديداً وتعسيراً وتحريجاً وتغليظاً . وما بهذا نَطَق القرآنُ ، ولا به جاء صاحبُ بيعةِ الرضوان ، بل نفى اللهُ الحرجَ ، ووصفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - شريعته : بالسماحةِ والسهولةِ . وإنما الحرجُ في الصدور ، كما قال تعالى : { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } [ الأنعام : 125 ] . وانظُرْ في أحوال الناس ، تجدْ قاطِع الصلاةِ في غايةِ الاسْتِعسار لها ؛ وليسَ كذلك المؤمنُ ، قال الله تعالى : { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِين } [ البقرة : 45 ] فنصَّ اللهُ تعالى على هذا المعنى الذي ذَكرتُ لك هو أن الشيءَ المُعيَّنَ يكونُ عسِيرَاً عَلى هذا ، سَهْلاً على هذا ، فَلَوْ كانَ عَسِيرَاً في نَفْسِهِ ، لَكَانَ عَسيراً عليهما ، ولكنه يسيرٌ في نفسه ، وإنما يتعسَّرُ بحرجِ الصُّدور ، والكسَلِ ، وقلَّةِ الدَّواعي ، وَيَتَسهَّلُ بنقيض ذلك . ولهذا لو وُهِبَ لقاطِعِ الصلاةِ دِرْهمٌ - في عمل أشقَّ من الصلاة - لقامَ إليه سريعاً ، ووثبَ إليه نَشيطاً . وكذلك سائرُ التكاليفِ الشرعية ؛ إنما العُسرُ فيها من قبيل قِلَّةِ اليقين ، وعدم الرياضة ، وقساوةِ القلب ، وكثرةِ الذنوب ، ألا ترى إلى ما في قيامِ الليل مِن المشقة على النفوس متى طلبت لإحيائه بالصلاة والقراءة ، وهو يَتَسهَّلُ عليها سَهرُةُ في كثيرٍ من الأحوال من العُرُسَاتِ والأسمار ، والسَّرَوات في الأسفار . فإذا عَرَفت هذا فاعلم أن من النَّاس من يحصل له من شِدَّةِ الرغبةِ إلى